الدارُ ناطِقَةٌ وَلَيسَت تَنطِقُ
أبو تمام · العباسي
الدارُ ناطِقَةٌ وَلَيسَت تَنطِقُ
بِدُثورِها أَنَّ الجَديدَ سَيُخلِقُ
الدارُ ناطِقَةٌ وَلَيسَت تَنطِقُ
بِدُثورِها أَنَّ الجَديدَ سَيُخلِقُ
دِمَنٌ تَجَمَّعَتِ النَوى في رَبعِها
وَتَفَرَّقَت فيها السَحابُ الفُرَّقُ
دِمَنٌ تَجَمَّعَتِ النَوى في رَبعِها
وَتَفَرَّقَت فيها السَحابُ الفُرَّقُ
فَتَرَقرَقَت عَيني مَآقيها إِلى
أَن خِلتُ مُهجَتِيَ الَّتي تَتَرَقرَقُ
فَتَرَقرَقَت عَيني مَآقيها إِلى
أَن خِلتُ مُهجَتِيَ الَّتي تَتَرَقرَقُ
يا سَهمُ كَيفَ يُفيقُ مِن سُكرِ الهَوى
حَرّانُ يُصبَحُ بِالفِراقِ وَيُغبَقُ
يا سَهمُ كَيفَ يُفيقُ مِن سُكرِ الهَوى
حَرّانُ يُصبَحُ بِالفِراقِ وَيُغبَقُ
ما زالَ مُشتَمِلَ الفُؤادِ عَلى أَسىً
وَالبَينُ مُشتَمِلٌ عَلى مَن يَعشَقُ
ما زالَ مُشتَمِلَ الفُؤادِ عَلى أَسىً
وَالبَينُ مُشتَمِلٌ عَلى مَن يَعشَقُ
حَكَمَت لِأَنفُسِها اللَيالي أَنَّها
أَبَداً تُفَرِّقُنا وَلا تَتَفَرَّقُ
حَكَمَت لِأَنفُسِها اللَيالي أَنَّها
أَبَداً تُفَرِّقُنا وَلا تَتَفَرَّقُ
عُمري لَقَد نَصَحَ الزَمانُ وَإِنَّهُ
لَمِنَ العَجائِبِ ناصِحٌ لا يُشفِقُ
عُمري لَقَد نَصَحَ الزَمانُ وَإِنَّهُ
لَمِنَ العَجائِبِ ناصِحٌ لا يُشفِقُ
إِن تُلغَ مَوعِظَةُ الحَوادِثِ بَعدَما
وَضُحَت فَكَم مِن جَوهَرٍ لا يَنفِقُ
إِن تُلغَ مَوعِظَةُ الحَوادِثِ بَعدَما
وَضُحَت فَكَم مِن جَوهَرٍ لا يَنفِقُ
إِنَّ العَزاءَ وَإِن فَتىً حُرِمَ الغِنى
رِزقٌ جَزيلٌ لِلَّذي لَهُ يُرزَقُ
إِنَّ العَزاءَ وَإِن فَتىً حُرِمَ الغِنى
رِزقٌ جَزيلٌ لِلَّذي لَهُ يُرزَقُ
هِمَمُ الفَتى في الأَرضِ أَغصانُ الغِنى
غُرِسَت وَلَيسَت كُلَّ عامٍ تورِقُ
هِمَمُ الفَتى في الأَرضِ أَغصانُ الغِنى
غُرِسَت وَلَيسَت كُلَّ عامٍ تورِقُ
يا عُتبَةَ بنَ أَبي عُصَيمٍ دَعوَةً
شَنعاءَ تَصدِمُ مِسمَعَيكَ فَتَصعَقُ
يا عُتبَةَ بنَ أَبي عُصَيمٍ دَعوَةً
شَنعاءَ تَصدِمُ مِسمَعَيكَ فَتَصعَقُ
أَخَرِستَ إِذ عايَنتَني حَتّى إِذا
ما غِبتَ عَن بَصَري ظَلِلتَ تَشَدَّقُ
أَخَرِستَ إِذ عايَنتَني حَتّى إِذا
ما غِبتَ عَن بَصَري ظَلِلتَ تَشَدَّقُ
وَكَذا اللَئيمُ يَقولُ إِن نَأَتِ النَوى
بِعَدُوِّهِ وَيَحولُ ساعَةَ يُصدَقُ
وَكَذا اللَئيمُ يَقولُ إِن نَأَتِ النَوى
بِعَدُوِّهِ وَيَحولُ ساعَةَ يُصدَقُ
عَيرٌ رَأى أَسَدَ العَرينِ فَهالَهُ
حَتّى إِذا وَلّى تَوَلّى يَنهَقُ
عَيرٌ رَأى أَسَدَ العَرينِ فَهالَهُ
حَتّى إِذا وَلّى تَوَلّى يَنهَقُ
أَو مِثلَ راعي السوءِ أَتلَفَ ضَأنَهُ
لَيلاً وَأَصبَحَ فَوقَ نَشزٍ يَنعَقُ
أَو مِثلَ راعي السوءِ أَتلَفَ ضَأنَهُ
لَيلاً وَأَصبَحَ فَوقَ نَشزٍ يَنعَقُ
هَيهاتَ غالَكَ أَن تَنالَ مَآثِري
إِستٌ بِها سَعَةٌ وَباعٌ ضَيِّقُ
هَيهاتَ غالَكَ أَن تَنالَ مَآثِري
إِستٌ بِها سَعَةٌ وَباعٌ ضَيِّقُ
وَتَنَقُّلٌ مِن مَعشَرٍ في مَعشَرٍ
فَكَأَنَّ أُمَّكَ أَو أَباكَ الزِئبَقُ
وَتَنَقُّلٌ مِن مَعشَرٍ في مَعشَرٍ
فَكَأَنَّ أُمَّكَ أَو أَباكَ الزِئبَقُ
أَإِلى بَني عَبدِ الكَريمِ تَشاوَسَت
عَيناكَ وَيلَكَ خِلفَ مَن تَتَفَوَّقُ
أَإِلى بَني عَبدِ الكَريمِ تَشاوَسَت
عَيناكَ وَيلَكَ خِلفَ مَن تَتَفَوَّقُ
قَومٌ تَراهُم حينَ يَطرُقُ مَعشَرٌ
يَسمونَ لِلخَطبِ الجَليلِ فَيُطرِقُ
قَومٌ تَراهُم حينَ يَطرُقُ مَعشَرٌ
يَسمونَ لِلخَطبِ الجَليلِ فَيُطرِقُ
قَومٌ إِذا اِسوَدَّ الزَمانُ تَوَضَّحوا
فيهِ فَغودِرَ وَهوَ مِنهُم أَبلَقُ
قَومٌ إِذا اِسوَدَّ الزَمانُ تَوَضَّحوا
فيهِ فَغودِرَ وَهوَ مِنهُم أَبلَقُ
ما زالَ في جَرمِ بنِ عَمروٍ مِنهُمُ
مِفتاحُ بابٍ لِلنَدى لا يُغلَقُ
ما زالَ في جَرمِ بنِ عَمروٍ مِنهُمُ
مِفتاحُ بابٍ لِلنَدى لا يُغلَقُ
ما أُنشِئَت لِلمَكرُماتِ سَحابَةٌ
إِلّا وَمِن أَيديهِمُ تَتَدَفَّقُ
ما أُنشِئَت لِلمَكرُماتِ سَحابَةٌ
إِلّا وَمِن أَيديهِمُ تَتَدَفَّقُ
أُنظُر فَحَيثُ تَرى السُيوفَ لَوامِعاً
أَبَداً فَفَوقَ رُؤوسِهِم تَتَأَلَّقُ
أُنظُر فَحَيثُ تَرى السُيوفَ لَوامِعاً
أَبَداً فَفَوقَ رُؤوسِهِم تَتَأَلَّقُ
شوسٌ إِذا خَفَقَت عُقابُ لِوائِهِم
ظَلَّت قُلوبُ المَوتِ مِنهُم تَخفِقُ
شوسٌ إِذا خَفَقَت عُقابُ لِوائِهِم
ظَلَّت قُلوبُ المَوتِ مِنهُم تَخفِقُ
بُلهٌ إِذا لَبِسوا الحَديدَ حَسِبتَهُم
لَم يَحسِبوا أَنَّ المَنِيَّةَ تُخلَقُ
بُلهٌ إِذا لَبِسوا الحَديدَ حَسِبتَهُم
لَم يَحسِبوا أَنَّ المَنِيَّةَ تُخلَقُ
قُل ما بَدا لَكَ يا اِبنَ تُرنا فَالصَدا
بِمُهَذَّبِ العِقيانِ لا يَتَعَلَّقُ
قُل ما بَدا لَكَ يا اِبنَ تُرنا فَالصَدا
بِمُهَذَّبِ العِقيانِ لا يَتَعَلَّقُ
أَفَعِشتَ حَتّى عِبتَهُم قُل لي مَتى
فُرزِنتَ سُرعَةَ ما أَرى يا بَيدَقُ
أَفَعِشتَ حَتّى عِبتَهُم قُل لي مَتى
فُرزِنتَ سُرعَةَ ما أَرى يا بَيدَقُ
جَدعاً لآِنِفِ طَيِّئٍ إِن فُتَّها
وَلَوَ اَنَّ روحَكُ بِالسِماكِ مُعَلَّقُ
جَدعاً لآِنِفِ طَيِّئٍ إِن فُتَّها
وَلَوَ اَنَّ روحَكُ بِالسِماكِ مُعَلَّقُ
إِنّي أَراكَ حَلِمتَ أَنَّكَ سالِمٌ
مِن بَطشِهِم ما كُلُّ رُؤيا تَصدُقُ
إِنّي أَراكَ حَلِمتَ أَنَّكَ سالِمٌ
مِن بَطشِهِم ما كُلُّ رُؤيا تَصدُقُ
إِيّاكَ يَعني القائِلونَ بِقَولِهِم
إِنَّ الشَقِيَّ بِكُلِّ حَبلٍ يُخنَقُ
إِيّاكَ يَعني القائِلونَ بِقَولِهِم
إِنَّ الشَقِيَّ بِكُلِّ حَبلٍ يُخنَقُ
سِر أَينَ شِئتَ مِنَ البِلادِ فَإِنَّ لي
سوراً عَلَيكَ مِنَ الرِجالِ يُخَندَقُ
سِر أَينَ شِئتَ مِنَ البِلادِ فَإِنَّ لي
سوراً عَلَيكَ مِنَ الرِجالِ يُخَندَقُ
وَقَبيلَةً يَدَعُ المُتَوَّجُ خَوفَهُم
فَكَأَنَّما الدُنيا عَلَيهِ مُطبِقُ
وَقَبيلَةً يَدَعُ المُتَوَّجُ خَوفَهُم
فَكَأَنَّما الدُنيا عَلَيهِ مُطبِقُ
وَقَصائِداً تَسري إِلَيكَ كَأَنَّها
أَحلامُ رُعبٍ أَو خُطوبٌ طُرَّقُ
وَقَصائِداً تَسري إِلَيكَ كَأَنَّها
أَحلامُ رُعبٍ أَو خُطوبٌ طُرَّقُ
مِن مُنهِضاتِكَ مُقعِداتِكَ خائِفاً
مُستَوهِلاً حَتّى كَأَنَّكَ تُطلِقُ
مِن مُنهِضاتِكَ مُقعِداتِكَ خائِفاً
مُستَوهِلاً حَتّى كَأَنَّكَ تُطلِقُ
مِن شاعِرٍ وَقَفَ الكَلامُ بِبابِهِ
وَاِكتَنَّ في كَنَفَي ذُراهُ المَنطِقُ
مِن شاعِرٍ وَقَفَ الكَلامُ بِبابِهِ
وَاِكتَنَّ في كَنَفَي ذُراهُ المَنطِقُ
قَد ثَقَّفَت مِنهُ الشَآمُ وَسَهَّلَت
مِنهُ الحِجازُ وَرَقَّقَتهُ المَشرِقُ
قَد ثَقَّفَت مِنهُ الشَآمُ وَسَهَّلَت
مِنهُ الحِجازُ وَرَقَّقَتهُ المَشرِقُ
تُعد هذه القصيدة نموذجاً متكاملاً للبناء المعماري للقصيدة العربية الكلاسيكية، حيث تتنقل ببراعة بين أغراض شعرية متعددة ضمن نسيج لغوي متين وصور بيانية حية، وتتوزع على المحاور التالية:
- الوقوف على الأطلال والتأمل الفلسفي: تبدأ القصيدة ببداية طللية كلاسيكية، لكن الشاعر يضفي عليها طابعاً فلسفياً، فالدار "تنطق بصمتها" لتؤكد حتمية الفناء والزوال. وينتقل بسلاسة من البكاء على الأطلال إلى استخلاص حكم عميقة حول لوعة الفراق، وقسوة الزمان، معتبراً أن الصبر على المحن هو بحد ذاته "رزق جزيل".
- الهجاء الكاريكاتوري اللاذع: ينتقل النص فجأة إلى هجاء عنيف لشخصية "عتبة بن أبي عصيم"، حيث يجرد الشاعر خصمه من كل معاني الشجاعة والمروءة. وقد برع في رسم صور ساخرة تقترب من الكاريكاتير، فشبهه بالحمار المذعور الذي ينهق بعد رحيل الأسد، وبالراعي الفاشل، مسلطاً الضوء على جبنه، وتلونه، وضعف حيلته.
- المدح الملحمي: في مقابل صورة الخصم المهزوزة، يرسم الشاعر لوحة ملحمية لقبيلة "بني عبد الكريم"، مانحاً إياهم صفات تتجاوز المألوف؛ فهم سادة الحروب الذين يرتعب منهم الموت نفسه، وهم أسياد الكرم والجود الذين تنبع من أيديهم "سحابات المكرمات".
- الفخر بالذات والعبقرية الشعرية: يبلغ الشاعر ذروة نصه بالاعتزاز بقصائده وسلطته الأدبية. فهو يرى شعره جيشاً وحصاراً مرعباً لخصومه، وينهي القصيدة ببيت يُعد من روائع الفخر الفني، حيث يرى أنه مزج في شعره بين المدارس الجغرافية الثلاث: قوة وجزالة "الشام"، سلاسة ووضوح "الحجاز"، ورقة وعذوبة "المشرق".
عن الشاعر
أَبُو تَمَّام حَبِيبُ بن أَوْسٍ الطَّائِيّ (188- 231 هـ / 803- 845 م) أحد أمراء البيان وكبار شعراء العرب، ولد بمدينة جاسم من قرى حورانَ بسورية، ورحل إلى مصرَ، واستقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه وقدَّمه على شعراء وقته، فأقام في العراق، ثم ولي بريدَ المَوصِل فلم يُتمَّ سنتين حتى توفِّيَ بها. كان أسمر، طويلًا، فصيحًا، حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطيع. وفي أخبار أبي تمام للصُّولي: «أنه كان أجش الصوت يصطحب راوية له حسن الصوت فينشد شعره بين يدي الخلفاء والأمراء». في شعره قوة وجزالة، واختلف في التفضيل بينه وبين المتنبي والبحتري، له تصانيف، منها فحول الشعراء، وديوان الحماسة، ومختار أشعار القبائل، ونقائض جرير والأخطل، نُسِبَ إليه ولعله للأصمعي كما يرى الميمني.