تخطي إلى المحتوى الرئيسي
العودة إلى المدونة
الهجاء29 أغسطس 2026

يا سيداً لم تزلْ فُروعٌ

ابن الرومي · العصر العباسي

يا سيداً لم تزلْ فُروعٌ

من رأيه تحتها أصولُ

أمثلُ عمروٍ يَسُومُ مثلي

خسفاً وأيامُه تطولُ

أمثلُ عمروٍ يُهين مثلي

عمداً ولا تُنتَضَى النُّصولُ

ألا يُرى منك لي امتعاضاً

كالسيف فيه الردى يجولُ

يا عمرو سالتْ بك السيولُ

لأمّك الويل والهبولُ

وجهك يا عمرو فيه طولُ

وفي وجوه الكلاب طولُ

فأين منك الحياءُ قل لي

يا كلبُ والكلب لا يقولُ

والكلبُ من شأنه التعدّي

والكلبُ من شأنه الغلولُ

مقابح الكلب فيك طرّاً

يزولُ عنها ولا تزولُ

وفيه أشياءُ صالحاتٌ

حَماكَها الله والرسولُ

فيه هريرٌ وفيه نبحٌ

وحظُّهُ الذلُّ والخمولُ

والكلب وافٍ وفيك غدرٌ

ففيك عن قدْره سُفولُ

وقد يحامي عن المواشي

وما تحامي ولا تصولُ

وأنت من أهلِ بيْتِ سوءٍ

قصتُهم قصةٌ تطولُ

وجوهُهم للورى عِظات

لكن أقفاءهم طبولُ

نستغفرُ الله قد فعلنا

ما يفعل المائق الجهولُ

ما إن سألناك ما سألنا

إلا كما تُسْأَلُ الطُّلولُ

صَمْتٌ وعيبٌ فلا خطابٌ

ولا كتابٌ ولا رسولُ

إن كنت حقاً من الندامى

فمنْ ندامى الملوك غولُ

وجهٌ طويلٌ يسيل فوه

أحسنُ منه حِرٌ يبولُ

بل فيك سُرْبٌ وطولُ خطْمٍ

ولم يزلْ هكذا النغُولُ

فإن تكن آلةَ الندامى

هذين فيما ترى العقولُ

طولُ خطومٍ على وجوه

فتوحُ أفواهها تهولُ

فما إذاً سادة الندامى

إلا البلاليعُ والفُيولُ

إن رئيساً يراك يوماً

لَصَابرٌ للأذى حَمولُ

ما مَلَّني من أطاق صبراً

عليك بل بَخْتِيَ الملُولُ

مستفعلٌ فاعلٌ فعولٌ

مستفعل فاعل فعولُ

بيت كمعناك ليس فيه

معنى سوى أنه فضولُ

تُجسّد القصيدة ذروة فن «الهجاء الكاريكاتيري» عند ابن الرومي، حيث يسخّر مهارته البصرية والتعبيرية الفائقة لتجريد خصمه «عمرو» من الإنسانية والمروءة.

  • البناء الفني والمفارقة: تبدأ القصيدة باستغاثة ظاهرة للسيد/الممدوح بلغة مدح رصينة، ليصنع الشاعر مفارقة صارخة بين هيبة السيد وحكمته من جهة، وهوان الغريم الذي يستبيح كرامة الشاعر دون أن يوقفه أحد من جهة أخرى.
  • التجسيد الكاريكاتيري والمفاضلة: ينتقل الشاعر إلى تفكيك شخصية «عمرو» شكلاً ومضموناً؛ فيبدأ بتشوية هيئته الجسدية (طول الوجه وسيلان الفم)، ثم يُجري مقارنة طريفة ومقلوبة مع الكلب. لا يكتفي الشاعر بالتشبيه السطحي، بل يُفضّل الكلب عليه، مؤكداً أن للكلب فضائل كـالوفاء والحراسة حُرم منها عمرو، بينما حشد الأخير صفات الكلب الدنيئة وحدها.
  • البراعة العروضية في الخاتمة: يختم ابن الرومي بقاضية فنية مبتكرة حين يدخل التفاعيل العروضية الجافة (مستفعل فاعل فعول) داخل النسيج الشعري؛ ليعكس بها حقيقة غريمه: بيت شعري خالٍ من المعنى، مجرد حشو وزيادة بلا قيمة.

عن الشاعر

ابن الرومي (221هـ – 283هـ / 836م – 896م) هو علي بن العباس بن جريج، أو جورجيس، المعروف بأبي الحسن ابن الرومي. شاعر عربي كبير، يُعد من فحول الشعراء، وكان في طبقته الأدبية قريبًا من بشار بن برد والمتنبي. تعود أصوله إلى الروم، إذ كان جده من موالي بني العباس. ولد ابن الرومي في بغداد ونشأ بها، وتجلّت موهبته الشعرية مبكرًا، حتى أصبح من أبرز شعراء عصره، امتاز بدقّة التصوير، وغزارة الألفاظ، وعمق الفكرة. عُرف بطبعه الحاد ولسانه اللاذع، فكان لا يكاد يمدح أحدًا من الكبراء أو الولاة حتى يعود فيهجوه، مما أضرّ بعلاقاته مع الرؤساء، وقلّل من استفادته المادية من قول الشعر. وكان هذا الطبع سببًا في نهايته، إذ يُقال إن القاسم بن عبيد الله، وزير الخليفة المعتضد بالله، دسّ إليه السمّ فمات مسمومًا في بغداد سنة 283هـ (896م)، بعد أن هجاءه ابن الرومي بقصائد موجعة. نُسبت بعض أشعاره إلى غيره ظلمًا، فقد ادّعى الشاعر مثقال الواسطي بعض قصائده في هجاء القحطبي وغيره، إلا أن المرزباني أكد أن مثل تلك الأشعار لا يقدر على نظمها إلا ابن الرومي نفسه، وأن ما نُسب لغيره خطأ وقع فيه محمد بن داود وغيره. ترك ابن الرومي ديوانًا شعريًا كبيرًا في ثلاثة أجزاء (مخطوط)، وقد طُبع لاحقًا، كما اختصره الأديب كامل الكيلاني في كتاب بعنوان "ديوان ابن الرومي". واهتم عدد من الأدباء والباحثين بسيرته وأشعاره، منهم: أحمد بن عبيد الله الثقفي في كتابه "أخبار ابن الرومي والاختيارات من شعره" عباس محمود العقاد في "حياة ابن الرومي" عمر فروخ، مدحت عكاش، وحنا نمر في دراسات مستقلة كما خصّه المستشرق البريطاني ريفون جِست (Rhuvon Guest) بكتاب باللغة الإنجليزية عن حياته بعنوان "The Life of Ibn al-Rumi".

أعجبتك هذه الأبيات؟

جرّب حل ألغاز مشابهة في لعبة كليم

حمّل التطبيق والعب الآن