تخطي إلى المحتوى الرئيسي
العودة إلى المدونة
الفخر31 أغسطس 2026

حُرٌّ وَمَذهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذهَبي

إيليا أبو ماضي · العصر الحديث

حُرٌّ وَمَذهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذهَبي

ما كُنتُ بِالغاوي وَلا المُتَعَصِّبِ

إِنّي لَأَغضَبُ لِلكَريمِ يَنوشُهُ

مَن دونَهُ وَأَلومُ مَن لَم يَغضَبِ

وَأُحِبُّ كُلَّ مُهَذَّبٍ وَلَو اَنَّهُ

خَصمي وَأَرحَمُ كُلَّ غَيرِ مُهَذَّبِ

يَأبى فُؤادي أَن يَميلَ إِلى الأَذى

حُبُّ الأَذِيَّةِ مِن طِباعِ العَقرَبِ

لي أَن أَرُدَّ مَساءَةً بِمَساءَةٍ

لَو أَنَّني أَرضى بِبَرقٍ خُلَّبِ

حَسبُ المُسيءِ شُعورُهُ وَمَقالُهُ

في سِرِّهِ يا لَيتَني لَم أُذنِبِ

أَنا لا تَغُشُّنِيَ الطَيالِسُ وَالحُلى

كَم في الطَيالِسِ مِن سَقيمٍ أَجرَبِ

عَيناكَ مِن أَثوابِهِ في جَنَّةٍ

وَيَداكَ مِن أَخلاقِهِ في سَبسَبِ

وَإِذا بَصَرتَ بِهِ بَصَرتَ بِأَشمَطٍ

وَإِذا تُحَدِّثُهُ تَكَشَّفَ عَن صَبي

إِنّي إِذا نَزَلَ البَلاءُ بِصاحِبي

دافَعتُ عَنهُ بِناجِذي وَبِمِخلَبي

وَشَدَدتُ ساعِدَهُ الضَعيفُ بِساعِدي

وَسَتَرتُ مَنكِبَهُ العَرِيَّ بِمَنكِبي

وَأَرى مَساوِءَهُ كَأَنِّيَ لا أَر

وَأَرى مَحاسِنَهُ وَإِن لَم تُكتَبِ

وَأَلومُ نَفسي قَبلَهُ إِن أَخطَأَت

وَإِذا أَساءَ إِلَيَّ لَم أَتَعَتَّبِ

مُتَقَرِّبٌ مِن صاحِبي فَإِذا مَشَت

في عَطفِهِ الغَلواءُ لَم أَتَقَرَّبِ

أَنا مِن ضَميري ساكِنٌ في مَعقِلٍ

أَنا مِن خِلالي سائِرٌ في مَوكِبِ

فَإِذا رَآني ذو الغَباوَةِ دونَهُ

فَكَما تَرى في المَاءِ ظِلَّ الكَوكَبِ

تُعدّ هذه القصيدة لإيليا أبي ماضي نصاً نثرياً موزوناً ينتمي لمدرسة المهجر، حيث يطرح فيها الشاعر فلسفته الأخلاقية والإنسانية في التعامل مع الذات والآخرين.

  • الحرية والحرية الفكرية: يبدأ الشاعر بإعلان انتمائه لمذهب الأحرار؛ مذهب يقوم على التفكير المستقل، والترفع عن التعصب والضلال، والانتصار للحق دون تحيز.
  • النزعة الإنسانية والتسامح: يظهر الشاعر عمق التسامح والترفع عن الانتقام، مستخدماً صوراً بلاغية جليّة (كـ "برق خُلَّب" و"طِباع العقرب") ليعكس أن الرغبة في الأذى خصلة دنيئة، وأن عقاب المسيء الحقيقي هو ندمه وتأنيب ضميره.
  • المظهر مقابل الجوهر: ينقد الشاعر خداع المظاهر والسطحية في تقييم البشر، موضحاً أن الثياب الفاخرة ("الطيالس والحُلى") قد تخفي خلفها نفوساً خاوية وأخلاقاً مريضة، وأن الهيبة الظاهرية قد تصدر عن عقول صغيرة.
  • وفاء الصداقة وحفظ الود: يُبرز الشاعر قيم الشجاعة والوفاء في الوقفات الصعبة مع الأصدقاء، متغافلاً عن الزلات والعيوب، لكنه في الوقت ذاته يضع حداً فارقاً للكرامة؛ يبتعد فوراً إذا دخل الغرور والتعالي ("الغلواء") قلب الصديق.
  • الاعتزاز بالذات والسلام الداخلي: يختتم النص بصورة فنية مشبعة بالثقة، حيث يعتبر سلامة الضمير حصناً وثيقاً ("معقل")، والأخلاق موكباً يرفعه عالياً، مُشبّهاً رُؤية الجاهل له بنظرة من ينظر إلى انعكاس النجم في الماء دون أن يدرك موقعه العالي في السماء.

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي (1889 - 1957) إيليا بن ضاهر أبو ماضي شاعر لبناني من أبرز شعراء المهجر، وعضو مؤسس في الرابطة القلمية. وُلد في قرية المحيدثة بلبنان، وهاجر إلى مصر عام 1900، حيث عمل في بيع السجائر وبدأ ينشر شعره في الصحف. أصدر أول دواوينه "تذكار الماضي" عام 1911. هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1912 هربًا من مضايقات سياسية، وأقام أولًا في سينسيناتي ثم استقر في نيويورك، حيث أسس مجلة "السمير" عام 1929، التي أصبحت منبرًا لأدباء المهجر. كان متفائلًا بطبعه، يمجد الحياة والطبيعة، ويهتم بالقيم الإنسانية. تأثر بمدرسة جبران خليل جبران، وكتب بأسلوب شاعري مميز يمزج بين البساطة والعمق. من أشهر دواوينه: الجداول الخمائل تذكار الماضي تبر وتراب ومن أشهر قصائده: "كن جميلاً ترى الوجود جميلاً" – قصيدة تُعبّر عن فلسفته في التفاؤل. زار لبنان في أواخر حياته وكرّمته الحكومة اللبنانية، ثم توفي عام 1957 في نيويورك بسكتة قلبية.

أعجبتك هذه الأبيات؟

جرّب حل ألغاز مشابهة في لعبة كليم

حمّل التطبيق والعب الآن